أحمد فارس الشدياق

128

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

وقد يبلغ من فقرهم أنهم يتركون طفالهم بغير معمودية لئلا يعطوا القسيس مصروفها . وأعرف في القرية المذكورة أولادا كثيرين لم يتعمّدوا مع أنّهم من رعية الكنيسة المتأصّلة التي توجب المعمودية ولا تأذن لمن مات غير معمّد أن يدفن في مدافنها فتنزله منزلة المنتحر . سبب فقر الفلاحين وسبب فرط فقر الفلاحين هنا هو كون الأرض قد دحاها الله تعالى لأن تكون ملك الأمراء والأشراف فقط ، فيستاجرها منهم أناس مأمونون ، ويستخدمون بعض الفلاحين في حرثها واستغلالها ، فلهذا لن تجد في القرية أحدا ذا رواء ورياش إلا مستأجر الأرض ، وقسيس القرية على أنه لا يلي شيئا من أمور أولاده الروحيين سوى الخطبة فيهم يوم الأحد لأنّه يستخدم تحت يده قسيسا يعطيه نحو ثمانين ليرة في السنة ، ويلقي عليه أحمال الكنيسة ، وهذا المبلغ هو دون وظيفة طباخ الأسقف في بلاد الإنكليز ، فعلى هذا القسيس أن يعمّد أولاد الرعية ، وأن يدفن الموتى منهم ، ويزوّج أحداثهم ، ويعود مرضاهم وغير ذلك . نمط عيش الفلاحين وعدد ملاك الأرض في إنكلترة نحو ستّين ألف عيلة لا غير ، وقلّما يذوق هؤلاء المساكين اللحم ، فجلّ أكلهم الخبز والجبن ، فجزّار القرية لا يذبح شاة أو بقرة إلا مرّة في الأسبوع ولا يبيع من اللحم إلا نصف رطل أو ربعه ، وإذا ذبح شاة فلا يسلخها ويجزر لحمها إلا بعد يوم ، والبقرة بعد يومين أو ثلاثة . نعم إنّه قد يربّي أحدهم خنزيرا في دويرته ويذبحه ويتّخذ لحمه كالقورمة « 118 » التي تتّخذ في برّ الشام ، ويطعم

--> ( 118 ) القورمة : لحم ييطبخ بشحمه مملحا ، ويحتفظ به إلى وقت الحاجة ، حيث يستعاض به عن اللحم الطازج . ( م ) .